حروب نظيفة

حروب نظيفة

مواطن يعيش في دولته آمنا مطئنا تحارب دولته دولا أخرى بجيشها بعيدة آلاف الأميال عن مكان عيشه، يقتل أناس و يشرّد آخرون تهدم مدن على ساكنيها، كانت تلك مجرّد لقطات مرئيّة مصحوبة بتعليق المذيع على نشرة الأخبار يشاهدها من التلفاز في منزله، يتمتع بدفء المدفأة شتاءاً و برودة المكيّف صيفاً، لا يضيره شيء من الأمر سوى ما يلقى على مسامعه ثم يغلق التلفاز منصرفاً لإكمال أعماله اليوميّة المعتادة.

مواطن آخر هدم منزله و قتل أخاه يعيش حاليّا في خيمة أقامها داخل ما تبقّى من موطنه، أو انتقل للعيش في دولة مجاورة لصعوبة إيجاد مكان آمن حتّى ليقيم خيمة لجوء، موسيقى صاخبة تلك الّتي تعزفها آلة الحرب يوميّا على مسامعه لا خيار له في سماعها، سلاح مختلف ألوانه يتوزّع بين يدي العامّة من الناس، و أموال يأخذها أمراء الحرب المحليّون يتقاسم أرباحها المساهمون بعد جني ثمار الحرب ممزوجة بدماء المحاربين، و أولئك الذين وقعت عليهم الحرب عنوة.

دولتان مختلفتان طرفان في حرب، حرب هي الكلمة الوحيدة الّتي تربطهما، فهنا دماء و أشلاء و خيام و لجوء، أما هناك حيث العيش الرغيد و الثراء، صورتان مختلفتان لما يسمّى بالمفهوم الحديث مواطن، طائرات تقصف، جنود مرتزقة، و جنود محليّون يُتلاعب بهم في فتنة و أزمة أو إن شئت أزمات، و أفق بعيد لحل مرتقب، تلك هي الحرب الحديثة النظيفة كما يراها صانعوها، فلا يأتي على أعينهم مشهد الدماء لتلوّث تلك البدل النظيفة الّتي يخرجون بها علينا في المؤتمرات، أو رائحة الموت فتعكّر رائحة العطور باهظة الثمن، فكما قيل في الأمثال الشعبية من كانت يده في الماء ليست كمن كانت يده في النار.

Comments

Popular posts from this blog

الدراما الإيرانيّة....الجمهور و الهدف

هل أنت فلسطيني؟......نعم.